‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخلاقيات الحرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخلاقيات الحرب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 9 يونيو 2012

دحض تهمة انتشار الإسلام بالسيف



تعتبر تهمة انتشار الإسلام بالسيف من أخطر الطعون في مستوى ثقافة السلام عند النبي محمد r  ، وذلك لما يترتب على هذه التهمة من نتائج خطيرة كفيلة بإلصاق فكر عنصري إحلالي مهيمن على حروب النبي r  ، إضافة إلى أنها تنسف كل فضيلة في الإسلام ساعدت في انتشاره في الأرض ؛لذا نجد أن الكثيرين من المستشرقين قد ركزوا جهودهم في تقرير هذه التهمة وتسويقها في مجتمـعاتهم. ([1]
لكن الجهد الاستشراقي لم يخل من مواقف موضوعية نظرت للحقيقة مجردة فأثبتتها كما هي ؛ لذا وجدنا أن كثيراً من المستشرقين بعدما خبت جذوة الحرب المسعورة والبواعث الاستعمارية التي كانت وراء بحوثهم الاستشراقية فاكتشفوا  أن تلك التهمة كانت عبارة عن سراب وغربال يراد به تغطية الشمس الجلية ، لذا سطروا بأقلامهم كلمات منصفة تقف عند حدود الحقيقة بغض النظر عن صاحبها ، والذي ألجأهم للإذعان لتلك الحقيقة الخالدة هو أن صفحات السيرة النبوية خاصة ما يتعلق في الحروب فيها كانت ناصعة زكية ، وتضمنت مثالية مذهلة قل نظيرها في الوجود ، وإثارة شبهة هنا أو هناك نحو موقف أو موقفين لا يغيض من تلك المثالية كما أن قطرة بول لا تؤثر في طهارة المحيط ، وهذه بعض النصوص التي تدحض تلك التهمة :  
1- يقول أبو الهند الحديثة ( مهاتما غاندي ) في حديث لصحيفة يوتج أنديا : « أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب الملايين ، وأيقنت أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، ولكن من خلال بساطة الرسول مع رقته وصدقه في الوعود  » ([2]) وفي موضع آخر قال : « كلما أدرس أكثر أكتشف أن قوة الإسلام لا تكمن في السيف . » ([3]
أقول : نعم لا تكمن في السيف ، والعرب بطبيعة شخصياتهم التي تأنف الانقياد للغير لا يمكن أن تنقاد لسطوة السيوف ، بل الموت عندهم أهون من الذل والهوان تحت شعاع السيوف ، ومن تتبع قصة أسرى بدر يجد أن بعض الأسرى لم يعلنوا إسلامهم إلا بعد أن تحرروا من الأسر وخرجوا من المدينة المنورة بالرغم من أن بذرة الإيمان نبتت في قلوبهم وهم في الأسر ، وهذه طبيعة العربي في الجزيرة العربية ، ولا محل لاستيعابهم من خلال سطوة السيوف ، إنما الذي استوعبهم هو سعة رحمة النبي r بهم .
2- يقول البروفيسور عبد المسيح الأنطاكي وهو يوناني الأصل عاش في حلب : « ليس بصحيح ما يدعى أن الإسلام استولى قهراً بالسيف على أكثر من نصف الكرة الأرضية ، بل كان سبب انتشاره شدة رغبة الناس إليه بعد أن أقنع عقولهم ، وأكبر سلاح استعمله المسلمون لبث الدعوة ، هو اتصافهم بالشيم العالية ، ولا يخفى ولوع المغلوب بتقليد الغالب ، وقد انخرط في الإسلام أقوام لم تبلغهم سلطة المسلمين ولم تصلهم . » ([4]
هذا النص يشير صراحة إلى سر انتشار الإسلام المذهل وهو تلك الأخلاقيات التي تميز بها النبي r وجيشه في الحروب ، ونقول لهؤلاء الذين ما يزالون يتمسكون بتلك الفرية ارجعوا للتاريخ مرة أخرى واسألوا أنفسكم هل السيف كان وراء إخلاص عكرمة t وتضحيته بماله ونفسه في سبيل الله وتقديمها رخيصة في معركة اليرموك للذود عن حوض الإسلام ، وهل السيف كان وراء إخلاص سهيل بن عمرو ، يقول الزبير بن بكار : «  كان سهيل بن عمرو بعد إسلامه كثير الصلاة والصوم والصدقة خرج بجماعته إلى الشام مجاهداً ، ويقال أنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن . » ([5])
هذا ما يحكيه التاريخ عن سيرة ألد أعداء الإسلام بعد إسلامهم ، ولم يكن السيف على رقابهم ليقوموا بهذه الأعمال الجليلة التي تنم عن قناعة كاملة برسالة الإسلام .
3-  يقول دي لاسي أوليري في كتابه الإسلام في مفترق الطرق ص 8: « قد كشف التاريخ أن الأسطورة التي تزعم أن المسلمين المتعصبين زحفوا على العالم يفرضون الإسلام بالقوة على أجناس الدول المفتوحة هي واحدة من أكثر الخرافات والأساطير التي رددها المؤرخون سخافة . » ([6])
نعم هي خرافة تكذبها حقائق التاريخ ، وسخافة ألجأ لها التعصب الأعمى وإخراج العلم عن أهدافه السامية وتسخيره لخدمة مآرب استعمارية ، سخافة حاول أهلها أن يشوهوا من خلالها أنصع صفحة في تاريخ الإنسانية ، ومن السخافة أن يظنوا أنهم يقدرون على ذلك ، بل من السخافة أن يتصوروا أن السيف والقوة يمكن أن تقرر عقيدة وفضيلة في أمة عبر قرون إلى يومنا هذا ؛ وتنتج حضارة تعتبر من أرقى الحضارات فكراً وسلوكاً وأخلاقاً إلى يومنا هذا ، وما زالت تمتلك القوة العجيبة في استقطاب الناس نحوها حتى في المراحل التي غُلبت فيها هذه الحضارة على أمرها وخبا بريق سيفها ؛ لذا وجد بين المستشرقين من نسف هذه الخرافة التي لا يصدقها عقل بكلمات لم تكلفه أكثر من سطرين لإثبات زيفها كما في الفقرة التالية .
4-  تقول الباحثة الألمانية زيغريد هونكة : « لعل من أهم عوامل انتصارات العرب ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم ، فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم وإنسانيتهم في معاملاتهم مع الشعوب المغلوبة،والتاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عددًا ضئيلاً من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب. » ([7]

وهذه شهادة أخرى تنسف تلك الأسطورة التي تزعم أن المسلمين كانوا يحملون ثقافة العنف ، ويتميزون بالقسوة والغلظة في حروبهم ، و النص فيه إشارة إلى تلك المساحة الواسعة لقيم ثقافة السلام التي كان المسلمون يحملونها للبلدان التي فتحها المسلمون ، إنها كما تقول زيغرد آلاف الأدلة والشواهد القاطعة بمدى تسامح المسلمين مع غيرهم .
5-  يقول المستشرق جوستاف لوبون ( طبيب ومؤرخ فرنسي )  مدللاً على أن الإسلام انتشر بالدعوة وليس بالسيف : « لم ينتشر القرآن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول ، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل . » ([8])
وهذه لفتة عجيبة تستحق التأمل فالمغول هم الذين قهروا العرب ، ولكن لم يمنع ذلك من اعتناقهم الإسلام ، فالإسلام انتشر وأصحابه مهزومون عسكرياً ، فهل كان السيف وراء إسلام المغول أم هناك قوة أخرى ؟ الإجابة التي لا تحتمل غيرها هي أن هناك قوة أعظم من السيف تغلغلت في قلوب المغول المنتصرين ، وهي قوة الحق الذي جاء به محمد r ، وهي نفس القوة التي تغلغلت في ربوع الهند وأطراف العالم الشرقي كأندونيسيا وماليزيا ، فتلك البلاد لم يفتحها المسلمون بسيوفهم ، وإنما فتحوها بأخلاقهم التي استمدوها من رسالة محمد r  .
هذه بعض النقول – وقد سبق ذكر غيرها في ثنايا البحث -  التي تشهد لنبي الإنسانية رأيت أن أختم بها بحثي هذا ، وهي تؤكد على كل فقرة تضمنها البحث ، وتشير صراحة إلى مدى وضوح ثقافة السلام عند النبي محمد r ، هذه الثقافة التي صنعت التاريخ في الماضي ، وأصلحت الإنسانية وأخرجتها من طور الهواية والانحدار إلى طور الرقي الحضاري ، وما زال بريق هذه الثقافة ساطعاً في عصرنا هذا خاصة مع إلحاح الواقع المرير الذي تعيشه الإنسانية وهذا الانحدار القيمي والأخلاقي الذي تعانيه ، يبقى القول : هل بدأ يشعر الإنسان في ربوع الأرض إلى مدى حاجته لهذه الثقافة الحيوية التي تضمن له رقيه الفكري والإنساني والقيمي بما يؤتي ثماره على مستوى السلم والأمن ........ ؟
د . محمد المبيض                          كتابه          ثقافة السلام  - أخلاقيات الحرب 


([1]لعل الباعث لديهم على تقرير هذه التهمة وتتبع الشبهات المؤكدة عليها هو الانتشار المذهل للإسلام في ربوع العالم القديم بشكل لم يعهد في دين قبله ، وتعزيز فكرة أن أخلاقيات الرسالة وسمو الفضيلة كان وراء ذلك الانتشار المذهل يترتب عليه الإقرار بمصداقية الرسالة وضرورة الإيمان بها ، وهذا ما لا يرجون حصوله ؛ لذا تشبثوا بهذه التهمة ليحصروا الإسلام وينسفوا أثر الفضيلة في انتشاره . 
([2])عبد الله : هذا هو الحبيب ( 15 )   
([3])ديدات : الرسول الأعظم ( 99)
([4]) عبد الوهاب : محمد رسول الإسلام ( 50)
([5]) الذهبي : سير أعلام النبلاء ( 1/195)
([6])ديدات : الرسول الأعظم ( 83) 
([7])  هونكة : شمس العرب تسطع على الغرب ( 357-358)
([8]) لوبون : حضارة العرب ( 128) 

محمد عليه السلام في عيون الغير



تنوعت الشهادات المبرزة لسمو الفضيلة عند النبي r ، وما تتضمنه من قيم معززة للسلم الأهلي والعالمي ، كالسماحة والعفو الإحسان للآخرين والعدل والرفق ، ويتضح من هذه الشهادات إنكارها التام لتلك المفتريات التي تحاول أن تبرز أن النبي r كان داعية عنف ومحرض على العدائية ، بل بعض هذه الشهادات تبرز بما لا يدع مجالاً للشك بأن منهج النبي r قبل أربعة عشر قرناً هو الأوفق والأوفر حظاً في بناء السلم العالمي ، من هذه الشهادات – وغيرها كثير – ما يلي :     
1-  يقول المستشرق المعروف أميل ديرمانجم  في كتابه حياة محمد : « إن محمداً رسول الإسلام قد أبدى في أغلب حياته ، بل طول حياته اعتدالاً لافتاً للنظر فقد برهن في انتصاره النهائي على عظمة نفسية قل أن يوجد لها مثيل في التاريخ ، إذ أمر جنوده أن يعفو عن الضعفاء والمسنين والأطفال والنساء ، وحذرهم من أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار ، أو يقطعوا الأشجار المثمرة ، وأمرهم ألا يجردوا السيوف إلا في حالة الضرورة القاهرة ، بل قد بلغنا أنه كان يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادياً . » ([1])
هذا النص يشير صراحة إلى تلك الأخلاقيات التي تميزت بها حروب النبي r ، ويؤكد على ما ذكرت سابقاً أن الحرب كانت حالة استثنائية ألجأت لها الظروف ، وليست نهجاً توسعياً إحلالياً ، كذلك يتضمن الإشارة إلى ملاحقة النبي r للتجاوزات الحاصلة من بعض أفراد جيشه أو قادته الميدانين ومعالجتها ، ويبرز النص السابق مدى المثالية التي تميز بها النبي r وجيشه في حروبهم  ، تلك المثالية التي لم يعهد مثلها في التاريخ في نظر أميل دريما نجم ، مثالية اعتمدت أسلوب الوسطية والاعتدال ، وتأسست على السماحة والعفو والإحسان للأمم المغلوبة ، وهذه هي ثقافة السلام من رَحِمْ الحروب المعززة للعنف والعدائية ، وهي شهادة  تؤكد عليها  الفصول السابقة بالبرهان والدليل .     
2- يقول ول ديورانت : « إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا أن محمداً ( r ) كان من أعظم عظماء التاريخ ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء ، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله . » ([2])
هذا النص يشير إلى تلك التربية الروحية والخلقية التي استطاع النبي r من خلالها أن يهذب النفوس التي اكتسبت قسوتها من قسوة البيئة الصحراوية التي تنتمي إليها  ، ويعزز فيها القيم والفضائل التي تحترم إنسانية الإنسان ، وفي النص إقرار بنجاح غير مسبوق لمحمد r في هذا الشأن على مدار التاريخ ، وهذا الإقرار - وغيره كثير -  ليحتم بضرورة احترام تلك الثقافة التي أسس لها النبي r واعتبارها الأمثل في التأسيس و رعاية السلام الأهلي والعالمي .  
3-  يقول الكاتب الروسي الكبير تولستوي : «  لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الإجتماعية خدمة جليلة ، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق ، وجعلها تجنح للسلام وتكف عن سفك الدماء ، وتقديم الضحايا ويكفيه فخراً أنه فتح طريق الرقي والتقدم ، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخـص ذو قـوة وحكـمة وعلم ، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإجلال . » ([3])
 وهذا تصريح من تولستوي بأن الثقافة والمنهج  الذي  كان النبي r يسلكه قد نجح  في توجيه الناس نحو الجنوح من العنف والعدائية إلى السلم والحضارة ؛ كذلك هذه شهادة للنبي r في طبيعة الثقافة التي كان يحملها r  .. إنها الثقافة التي تعزز في النفس التوجهات السلمية وتنفرها من التوجهات العدائية ،وهذا إقرار بأن النبي r لم يكن في لحظة من حياته داعية للعنف ومحرضاً عليه .  
 4- يقول السير وليم سوبر في كتابه سيرة محمد : « لقد امتاز محمد ( r ) بوضوح كلامه ويسر دينه ، ولقد أتى من الأعمال ما أدهش الألباب ، ولم يشهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس ، و أحيا الأخلاق الحسنة،ورفع شأن الفضيلة في زمن قصـير كما فعل محمد ( r ). » ([4]
هذا النص يشير صراحة إلى عظمة التربية الخلقية التي تميز بها أتباع النبي r ، بل يرى الكاتب أن النبي r قد نجح نجاحاً مثالياً غير معهود مثله عبر التاريخ في هذا الشأن .  
5- يقول جوستاف لوبون : « الإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم ، ومن أعظمها تهذيباً للنفوس وحملاً على العدل والإحسان والبدهية . » ([5]) وفي موطن آخر يقول :  « إن القوة لم تكن عاملاً في نشر القرآن ، وإن العرب تركوا المغلوبين أحراراً في أديانهم ، فإذا كان بعض النصارى قد أسلموا ، واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لما يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس بمثله عهد ، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى .. وقد عاملوا أهل سورية ومصر وأسبانية وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم ، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في مقابل حمايتهم لهم ، وحفظ الأمن بينهم ، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب . » ([6]
هذا النص يشير إلى أهم قيم ثقافة السلام  ، وهي السماحة والعدل والرحمة واللطف والسهولة و التيسير والإحسان للأمم المغلوبة ، وهذه القيم  هي التي كانت وراء انتشار الإسلام ؛ أي أن الغزو الأخلاقي والقيمي لقلوب الأمم المغلوبة كان أكثر وضوحاً وأعظم أثراً من الحسم العسكري ؛ كذلك في النص الأول إشارة إلى تلك القدرة العجيبة التي تميزت بها رسالة الإسلام في تهذيب النفوس وتعزيز الفضيلة فيها وقدرتها على سياسية الأمم بطريقة حضارية تتسم باستيعاب المخالف والأقليات ورعاية حقوقهم والإحسان لهم  .
1-     ويقول المستشرق الفرنسي أ . ل سيديو : « من التجني على حقائق التاريخ ما كان من عزو بعض الكتاب إلى محمد ( r )  من القسوة والجبن فقد نسي هؤلاء أن محمداً ( r ) لم يألُ جهداً في إلغاء عادة الآثار الموروثة الكريهة .. وكأنهم لم يفكروا في العفو الكريم الذي أنعم به على أشد أعدائه بعد فتح مكة ، ولا في الرحمة التي حبا بها كثيراً من القبائل عند ممارسة قواعد الحرب الشاقة . » ([7]
هذا النص يشير إلى زيف المفتريات التي حاول البعض إلصاقها بالنبي r باعتباره داعية عنف  ، واعتبر ذلك من باب الجناية على التاريخ بتزوير حقائقه .
2-     يقول الباحث الأمريكي لوثروب ستودارد : « لم يمض سوى اليسير من الزمن حتى كان السواد الأعظم من الأمم المغلوبة قد دخل في دين الله أفواجاً إيثاراً له .. ولم يكن العرب قط أمة تحب إراقة الدماء وترغب في الاستلاب والتدمير ، بل كانوا على الضد من ذلك أمة موهوبة جليلة الأخلاق والسجايا . » ([8])
وهذه شهادة أخرى للنبي r وجيشه تبرز السبب الأساس لانتصار تعاليم الرسالة  في العالم القديم ، وتنسف فرية انتشار الإسلام بالسيف ، وفيها تأكيد على وضوح قيم ثقافة السلام عند النبي r وأتباعه ، فهي أمة قيم وليست أمة عدائية وعنف وإراقة دماء ، وبالقيم والأخلاق والفضيلة التي حملتها الرسالة آثر المغلوبون الدخول في رحابها .


([1])عبد الوهاب : محمد رسول الإسلام ( 33وما بعدها )  
([2]) ديورانت : قصة الحضارة ( 13/47)
([3])  جريشة وغيره : أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي ( 29)
([4]) عبد الله : هذا هو الحبيب ( 18)
([5]) لوبون : حضارة العرب ( 126)
([6])  لوبون : حضارة العرب ( 127 وما بعدها )
([7]) سيديو : تاريخ العرب العام ( 83)
([8]) لوثروب : حاضر العالم الإسلامي ( 3-4) 

أهداف الحرب وغاياتها في الإسلام



لم يكن الجهاد أو حروب النبي r خاضعة للمصالح والمآرب الدنيوية ، بل كانت تحكمها أهدافٌ سامية وغايات نبيلة تهيمن على كل سلوك حربي في سيرة النبي r ؛ لذا نجد الإسلام قد عدل عن لفظة الحرب واستخدم مصطلحاً جديداً وهو الجهاد ليؤكد على أن هذه الحروب هي مغايرة لكل حروب البشر التي تحكمها المصالح والأغراض الدنيوية ،  و يمكن استخلاص أهداف القتال وغاياته عند النبي r  من  خلال البنود التالية :
أولاً : دفع العدوان وحسر الظلم وإنقاذ المستضعفين . 
وهذا الهدف واضح من خلال الغطرسة والطغيان الذي مارسته قريش على المسلمين ، وملاحقتها لهم في كل مكان حتى لم تبق مجالاً أمام المسلمين بعد استنفاذ كل الوسائل  إلا بالحسم العسكري معها ومن يناصرها أو سلك مسلكها ، وقد صرحت كثير من الآيات في الدلالة على هذه الغاية منها :
1-     قال الله  سبحانه وتعالى :  «  وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً  »  ([1]) فالآية صريحة بأن القتال سببه هو الدفع عن المستضعفين الذين كانوا يسامون سوء العذاب من مكة ، وغايته هو إنقاذ المستضعفين من سطوتها .
2-     قال الله سبحانه وتعالى :  «  أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  »  ([2]) والآية صريحة في أن الإذن بالقتال إنما هو لدفع حالة الظلم التي مورست على المسلمين من خلال اضطهادهم وإخراجهم من أرضهم وملاحقتهم في كل مكان .
3-     قال الله سبحانه وتعالى :  «  وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .  »  ([3])  «  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  »  ([4]) هذه الآيات صريحة في أن القتال يدخل ضمن سنة المدافعة ورد اعتداء المعتديـن ، وفيها إشارة إلى حصر القتال مع الفئة المعتدية .
4-     يقول الله سبحانه وتعالى :  «  الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ  »  ([5]) الآية صريحة في أن القتال يراد به عقاب المعتدي وكف عدوانه بمثله دون تجاوز . ([6])

ثانياً : حماية وتأمين الدولة الناشئة ، وتحقيق مكافأة في القوة تكفل حصول المسالمة .
كان قيام نواة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة مصدر استهجان من كل المجتمع القبلي الذي يحيط بها ، وهي من وجه آخر لقمة سائغة لذلك المجتمع الذي تمرس القتال والسلب والنهب ، والاستقواء على الضعيف ، خاصة أن غرابة هذا الكيان الناشئ في معتقداته وقيمه وتحريض سيدة العرب ( مكة) عليه قد فتح شهية كل هذه القبائل للانقضاض على ذلك الكيان ووأده في مهده ، وهذا اقتضى خطوة سريعة عاجلة من النبي r من خلال إعداد جيش وبث سرايا لفرض هيبة المسلمين وحماية بيضتهم ، بل جاءت الآيات الدالة على أن إعداد جيش قوي ليس هدفه الاعتداء بقدر ما هو فرض هيبة وبث الرهبة التي تحول دون الاعتداء على المسلمين ([7]) ، هذه الهيبة هي التي تضمن تحقيق السلم بين المسلمين وغيرهم . يقول الله سبحانه وتعالى :  «  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ، وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »  ([8])
فالآية صريحة في أن إعداد الجيش له هدفان : الأول تكتيكي وهو بسط الهيبة والثاني استراتيجي وهو تحقيق السلام .
ثالثاً : حماية حرية نشر الدعوة .
 وهذا هدف فرضه طبيـعة المجتمع الذي رفض هذا الدين الجديد وحارب أهله وصادر
حرياتهم ، بل سلبهم حرية الاعتقاد نفسه واقتضى الأمر حماية الرسالة وأهلها ، وحماية حرية نشرها ، وينبغي هنا أن نفرق بين أمرين وهما : حماية نشر الدعوة ، وحماية حرية نشر الدعوة   ، فليس من أهداف الحرب في الإسلام حماية نشر الدعوة ؛ لأن حماية نشر الدعوة بالحروب معناه الإكراه على اعتناق الإسلام ، وهذا مبدأ يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً ، ولو كان الفضل في انتشار الإسلام لسيوف أهله ورماحهم ، لزال سلطانه من القلوب بزوال سلطان أهله .
لكن هدف المسلمين هو حماية حرية الدعوة ؛ أي الباعث على الحرب هو حسر جهود المشركين في الصد عن سبيل الله ومنع الناس من بلوغ الدعوة إليهم ، وإذا لم يوجد صد للرسالة ، فلا تحل الحرب بأي وجه ، وتنطلق الدعوة في بيئتها الطبيعية . ([9])    
وقد جاءت كثير من الآيات الدالة على الفئة المستهدفة في القتال ، منها الآية الأولى في سورة القتال ( محمد ) يقول الله سبحانه وتعالى :  «  الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ   »  ([10]) فالآية السابقة التي تصدرت سورة القتال قد بينت أن الفئة المستهدفة في القتال هي التي جمعت وصفين معاً وهما : الكفر والصد عن سبيل الله ، ثم شرعت الآيات التي بعدها ببيان بعض أحكام القتال مع هذه الفئة ،  وقد  صرحت سورة الأنفال أن هذه الفئة هي التي تقوم بالإنفاق السخي بغرض الصد عن دين الله ومنع انتشار رسالة الإسلام وملاحقة أهله ، يقول الله سبحانه وتعالى :  «  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً  »  ([11]) وهؤلاء هم كبراء القوم وطواغيتهم من سادة الجاهلية وسدنتها ممن يحشدون الحشود ويجيشون الجيوش للكيد بالمسلمين وقهر دعوتهم وحسرها ومنع الناس أن يتواصلوا معها بالوسائل السلمية ، وقد بينت بعض الآيات بأن هؤلاء لأفعالهم الشنيعة هم المستهدفون في القتال
يقول الله سبحانه وتعالى  :  «  فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ  »  ([12]).
هذه أبرز غايات القتال في رسالة الإسلام ، وكل منصف ينظر بعين الموضوعية يرى وضوح هذه الأهداف في السيرة العملية للنبي r يشير بيجي رودريك ([13] إلى تلك الأهداف بقوله : « الإسلام إذن لرسوله بالجهاد لرفع الظلم والاضطهاد .. ولإزالة العقبات التي تقف في وجه الدعوة للإسلام، تلك الدعوة التي لا تكره أحداً على الدخول في هذا الدين ، وإنما تترك لهم الحرية الكاملة للاختيار لذلك ، وما إن يدخل الناس في الإسلام حتى يتمسكوا فيه ويستميتوا في الدفع عنه،إن الإسلام هو دين السلام: السلام مع الله ومن الناس جميعاً. » ([14])
د. محمد المبيض                        كتابه أخلاقيات الحرب 


([1]) النساء : الآية 75
([2]) الحج : الآيات 39-40
([3]) التوبة : الآية  36
([4]) البقرة : الآية 190
([5]) البقرة : الآية 194
([6]) ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ( 1/217) ؛ القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( 2/360)
([7]) انظر تفصيل نظرية الردع في الإسلام  وأهدافها عند / أبو الوفا : الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية في شريعة الإسلام (10/299 وما بعدها )
([8]) الأنفال : الآيات 60-61  
([9])  انظر خطاب : الرسول القائد ( 40 وما بعدها ) ؛ الديك : المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي   ( 20-21)
([10]) محمد : الآية 1
([11]) الأنفال : الآية 36
([12]) التوبة : من الآية 12
([13])  بيجي : شاب هندي، نشأ في ظل الاستعمار البريطاني للهند، وكان نصرانيًا فأسلم في منتصف الأربعينات رغم التربية التبشيرية التي تلقاها على يد النصارى الذين كانوا منتشرين في شبه القارة الهندية.
([14]) انظر خليل : قالوا عن الإسلام ( 288)