الاثنين، 11 يونيو 2012

تلازم السلوك مع الإيمان ( لا إيمان بدون أخلاق )


القيم والأخلاق والإيمان
بينت سابقاً أن الهدف الأسمى للعبادة التعبدية إصلاح قيم المجتمع ، والارتقاء بأخلاق الفرد فيه ليساهم بإيجابية نحو عمارة الكون ، وليحقق مظهر الاستخلاف الحقيقي الذي أنيط به .
يأتي هنا بيان علاقة القيم بالإيمان ، ولعل أوضح آية في الدلالة على ذلك قوله تعالى : «  لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  »  ([1]
فالبر في الآية هو حقيقة الإيمان وكماله ، وقد بينته الآية مبرزة جوانبه الاعتقادية وآثاره السلوكية ، فمن البر الإيمان بالله وملائكته ، ومن البر أيضاً الوفاء بالعهد وإنفاق المال ، ومن البر الصبر والصدق ، وهكذا نلحظ من الآية المزج بين المعتقد والسلوك وبين الإيمان والقيم والأخلاق ، بحيث لا ينفصلان عن بعضهما البعض ، فالإيمان هو القوة الروحية الدافعة للمشاعر النبيلة في المجتمع ، والمعززة للقيم فيه ، والمهيجة للاستقامة الخلقية ؛ والارتقاء الخلقي في سلم القيم هو المرآة الحقيقية لمدى تمثل العقيدة عند  صاحبها ؛ لذا لا نستغرب من الربط بين الإيمان والقيم والأخلاق في كثير من الهدي النبوي مما يشير صراحة إلى أنهما متلازمان أحدهما يبرز مكنون الآخر ، يقول النبي r : «   وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قَالُوا وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجَارُ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَوَائِقُهُ قَالَ شَرُّهُ . » ([2]) «   مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالَ : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ  ؟ قَالَ :  يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ . » ([3]
فالأحاديث السابقة هي في صميم الأخلاق ، وقد نفى النبي r الإيمان عمن يؤذي جاره ، وأبرز في الحديث الآخر أن صفة الإيمان الحقيقية لا بد أن يظهر لها ثمرة حقيقية في السلوك والأخلاق ، فالذي لا يكرم جاره أو ضيفه أو يستقيم لسانه فهذا الإنسان لم يرتق في درجة الإيمان الحقيقي بالله ، فشأنه شبيه بحال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا التوصيف يشير إلى أن هذا الإنسان قد خسر شيئاً جوهرياً يترتب عليه فلاحه في الدنيا والآخرة .
وهذا التوجيه صحيح فالإيمان بالله سبحانه وتعالى ومعرفته من شأنه أن يفجر المشاعر النبيلة ويوقظ حواس الخير والفضيلة لدى الإنسان ، ويربي فيه ملكة المراقبة ، وطلب معالي الأمور ، ويعزز فيها مسالك الفضيلة ، وينأى به عن مهاوي الرذيلة .  من هذا الوجه يعتبر  الإيمان هو الوقود الحيوي للقيم والأخلاق في المجتمع ، وهو أمثل طريق لتجسيدها بين الإنسانية ، وتعتبر القيم والأخلاق أهم ترجمة حية لكوامن الإيمان في القلوب  .


([1])  البقرة : الآية 177
([2])أخرجه مسلم برقم  46 ( 1/68) ؛ وأحمد برقم 7878  واللفظ له ( 13/261)  
([3]) أخرجه البخاري برقم  6019 ( 8/11) 

مقصد العبادة إصلاح السلوك والأخلاق


من مقاصد العبادة التعبدية رعاية القيم والأخلاق في المجتمع .
يتضح مما سبق أن العبادة الخلقية هي الكفيلة باستيعاب يوم الإنسان ليكون خليفة الله سبحانه وتعالى  في أرضه ، ولأجلها فرضت العبادة التعبدية ،  فالتعبد في الإسلام لم يشرع لذاته أو لرسمه وشكله ، بل شرع لتوجيه مشاعر الإنسان توجيهاً سليماً طاهراً ، فالأمور التعبدية كلها إيحاءت بالخير في القلوب وهمسات بالطهر في الضمائر ، يقول الله سبحانه وتعالى :  «  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  »  ([1])   «  َأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ  »  ([2])  فالعبادات هي منهاج تربوي تزكوي يسمو بالروح الإنسانية ويطهرها ويستخلصها للفضيلة ويجنبها الرذيلة .
إذا العبادة التعبدية التي تنظم علاقة الإنسان بربه لها اتجاهان وغايتان أصيلتان :
الأولى :
 العروج بالروح الإنسانية نحو خالقها لكي تزكو وتستقيم مع خالقها وتخضع له في أمره المنظم للإنسان والكون والحياة ،  وأَمرُ الله سبحانه وتعالى هو الميزان الذي خلقت عليه الموجودات يقول الله سبحانه وتعالى :  «  وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ  »  ([3]) فالعبادة الروحية هي استعانة بالله سبحانه وتعالى ولجوء للخالق للقيام بالأمر الرباني بعدم الطغيان في الميزان من خلال الإصلاح لا الإفساد ، وإصلاح الكون لا يكون إلا إذا تمثل الإنسان بمنظومة القيم التي جعلها الخالق سنناً منظمة لعجلة الحياة الإنسانية وهي التي تشملها أجمع آية في كتابه الخالد ، وهي قوله تعالى :  « إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  »  ([4]
الثانية :
 تنظيم علاقة الإنسان بأخيـه الإنسان والكـون الحياة ، وتزكيته لحـمل رسالة القيم
التي بها فلاحه وصلاحه في الدنيا والآخرة ؛ لذا نجد أن الشعائر التعبدية تجاوزت حالة إصلاح العبد بربه وانطلقت به نحو  إصلاح المجتمع بتعزيز الفضيلة ومحاربة الرذيلة فيه ، أو بعبارة أخرى  جاءت لتعيد للإنسان رسالته التي تؤهله لخلافة الأرض بمنهج عملي متكامل تنأى عن بلوغ مراتبه وقوته الإصلاحية كل مناهج البشر وتجاربهم ، فالصلاة تعزز الأخوة والمساواة ، ولا تفرق صفوفها في صلاة الجماعة بين أمير ومأمور ، أو غني وفقير ، فكلهم يشملهم هدف واحد وهو تحقيق العبودية لله ، و تضمهم لهدفهم هذا شعائر واحدة ، إضافة إلى تعزيز معاني المحبة والتآلف  بين أفراد المجتمع ، وتنحو به منحىً اجتماعيا خمس مرات يومياً ، وتعزز عنده معاني التقوى التي تدفعه نحو مواجهة الرذيلة وعدم الانصياع لداعي الشهوة والغريزة ، وتعزز  عنده مناعة روحية تؤهله في سلم المجتمع للارتقاء بالقيم السامية ، والنفور من الأخلاق القبيحة، وهذا معنى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .
ويأتي الصوم ليضبط غرائز الإنسان ويكبح نفسه الشهوانية ، ويعمق عنده الإحساس بآلام الآخرين ، ويعزز في قلبه روح التكافل الاجتماعي لذا نجد أن هذه العبادة قد طعمت في ثنايا تشريعاتها بالترغيب في الإطعام والإنفاق ، ويحقق الأمن الداخلي والسلم الأهلي في المجتمع بحسم مهيجات الجريمة فيه ، ولا غرابة أن يقرن النبي r عند رؤيته للهلال بين الأمن والإيمان وبين السلامة والإسلام ، فالصوم يعتبر من أعظم وسائل تحقيق الأمن الداخلي في المجتمع ،  ويختم الصوم بصدقة الفطر التي تكفل الكفاية للفقراء وتسد رمقهم ، كل ذلك جاء بأسلوب مرغب بسيط يكفل المحبة ويعزز الإيثار ويحقق التكافل ترى العبد من خلاله يقدم ماله بنفس طيبة فرحة راجية القبول من الله سبحانه وتعالى، بل وشاكرة للمحتاج قبوله للعطاء الجالب لسعادة المعطي والمنجي له من عذاب الله .
وتأتي الزكاة لتساهم في حركة المال في المجتمع بما يقلل الطبقية فيه ، ويحقق التكافل والنماء ، ويعزز المحبة بين أفراده ، ويجسر الهوة بين الفقير والغني ، ويحقق الألفة ، ويساهم في حسم جرائم الأموال ويقللها في المجتمع خاصة تلك الجرائم العدوانية والانتقامية التي تتسبب فيها الطبقية الاقتصادية في المجتمع ، ومن وجه آخر فيها سد حاجة المعوزين وتنفيس لكربهم وقضاء دينهم وإدخال السرور عليهم  .
أما الحج فهو درس في التضحية والحب والوفاء ، وثورة على طبقية المجتمع ، ومدرسة عملية حيوية لحقوق الإنسان كالمساواة والعدل والتكافل والأمن العالمي ، ومساهمة في تعزيز التعارف الإنساني العالمي ، وفرصة للسلام والمسالمة ، وتجريد للذات الإنسانية من شوائب الدنيا وشهواتها المطغية . 
 هذه غايات العبادة التعبدية ، ويلحظ من خلالها أنها جاءت لتعزيز العبادة الخلقية التي عليها مدار فلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة ، بل لا ينظر للعبادة التعبدية إذا أداها صاحبها مجردة عن غايتها وأهدافها ، أي أداها من حيث الشكل ولكنها مفرغة من روحها ومضمونها ، يقول النبي r  : «  مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ » ([5])  «   مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ » ([6])«   قَالَ رَجُلٌ :  يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ،  غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ :  هِيَ فِي النَّارِ  . قَالَ :  يَا رَسُولَ اللَّهِ !  فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ :  هِيَ فِي الْجَنَّةِ . » ([7]
فهذه النصوص صريحة بأن العبادة التي لا تصلح الإنسان أو ترقي قيمه وأخلاقه هي عبادة مفرغة من مضمونها وروحها ، أو هي عبادة لم تقم بالوظيفة التي أنيطت بها ، ألا وهي إصلاح قيم الفرد والمجتمع ، فالصوم الشرعي لا قيمة له في ميزان الشرع إن لم يترتب عليه صوم عن الرذيلة في المجتمع ، والحج يفقد ثمرته إن داخله الرفث والفسوق الموحي بالتخلف الخلقي الذي لا يليق وإنسانية الإنسان .
بل الحديث الثالث يشير إلى أن العبادة التعبدية غير المقرونة بالعبادة الخلقية لن تنفع صاحبها ، ولن تصلح آخرته ؛ لذا أجاب أن المرأة كثيرة التعبد والمؤذية لجيرانها من أهل النار ، وبالمقابل عبادة تعبدية بمقدار الواجب لكنها مقرونة بعبادة خلقية كفيلة بفوز صاحبها ، بل نلحظ أن الإفلاس الحقيقي في الآخرة هو إفلاس الفرد من العبادة الخلقية حتى مع محافظته على العبادة التعبدية يقول النبي r : «   أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟  قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. » ([8])
وهذا هو الإفلاس الحقيقي في الآخرة ، ويلزم من ذلك القول أيضاً أن مفلس الآخرة هو مفلس في ميزان الشرع في الدنيا ، وأن عبادته التعبدية الخالية من مضمونها وثمرتها المرجوة على مستوى القيم والأخلاق لن تصلح له دنياه ، ولن ترتقي به لدرجة الإنسانية المكرمة وفق مفهوم الشرع .
يتلخص مما سبق أن من أهم أهداف العبادة التعبدية إصلاح العبادة الخلقية ، وأنه لا ينظر للعبادة التعبدية إذا لم تحقق هذا الهدف ، وهذا  يكسب العبادة التعبدية في رسالة محمد r مظهراً جمالياً بعيداً عن الشكليات يسمو بالروح نحو خالقها ، ويرتقي بإيجابية الفرد نحو مجتمعه ، بل نحو الإنسانية جميعاً ؛ إنها العبادة البسيطة في شكلها العميقة في مدلولها ، المساهمة في حل مشكلات المجتمع وعلاج أمراضه ، المزكية لقيمه وأخلاقه .
كذلك يتضح لنا تلك المنزلة السامية للقيم والأخلاق في رسالة محمد r حتى أصبحت جزءً مما يتعبد المسلم به نحو ربه ، وهذا يضفي إيجابية وقدسية ملزمة للقيم الخلقية لها أثرها الحيوي في المساهمة بإصلاح الإنسانية والسلوك بها نحو بر الأمان .


([1])  البقرة  : الآية 183
([2]) العنكبوت : الآية 45  
([3])   الرحمن : الآيات ( 7-8)
([4]) النحل : الآية 90  
([5]) أخرجه البخاري برقم 1903  [ البخاري مع فتح الباري ( 4/139) ]
([6]) أخرجه البخاري برقم 1521 [ البخاري مع فتح الباري ( 3/446) ]
([7]) أخرجه أحمد برقم 9673 [ المسند ( 2/440) ] ؛ والحاكم برقم 7304 ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ المستدرك ( 4/183) ]
([8]) أخرجه مسلم برقم 2581( 4/1997)  

العبادة والسلوك ( لا عبادة بدون أخلاق )


الفلسفة المهيمنة على مفهوم العبادة .
العبادة هي الأفق الأسمى الذي تصبو إليه قلوب العباد ، بل لا يتصور أي معنى لكلمة عباد دون العبادة ؛ لذا جعلها الله سبحانه وتعالى الحكمة من خلقه لعباده ، يقول
الله سبحانه وتعالى :  «  مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  »  ([1])
فالآية صريحة في بيان أن المقصد الحقيقي والوحيد من خلق الثقلين (الإنس والجن ) هو عبادة الله سبحانه وتعالى ، ومقتضى هذا المفهوم أن الإنسان مطالب بعبادة الله سبحانه وتعالى خلال الأربع وعشرين ساعة من يومه ، وهذا أمر غير متصور من خلال العبادة التعبدية ؛ أي العبادة المتضمنة لشعائر معينة ( صلاة – صوم – زكاة – حج ) والتي يتقرب بها العبد من ربه ، فالزكاة تأخذ جزءً من ماله خلال السنة وقد لا يكلفه إخراجها أكثر من ساعة واحدة ، والحج مرة واحدة في  العمر ، ووجوبه مقيد بالاستطاعة ؛ لذا يحتمل أن تدور عجلة الوقت على المسلم دون أن يلزمه أداء هذه الفريضة في كل حياته ،  والصوم يأخذ من وقت الإنسان شهراً واحداً في العام ، والصلاة لا تأخذ من وقت الإنسان أكثر من ساعة واحدة في اليوم ، وأنا هنا أتحدث عن المقدار الواجب على الإنسان ، يبقى تساءل هام : الصلاة تأخذ من يوم الإنسان ساعة واحدة ، ويبقى في ذمته ثلاث وعشرون ساعة ، فما هو وجه التعبد المطالب فيه خلال هذه الساعات الطوال ؟
وهذا التساؤل يفتح لنا المجال أمام شكل آخر من أشكال التعبد ، هو الكفيل باستيعاب يوم الإنسان ، والضامن للإنسان في المحافظة على إنسانيته كما أرادها الله سبحانه وتعالى له وفق درجة التكريم التي أكرمه بها ، إنه مجال العبادة الخلقية ، إنه الارتقاء في سلم القيم والفضائل ليكون سيد المخلوقات ومناط الاستخلاف في الأرض ، وأهلاً للخطاب الرباني في الإصلاح لا الإفساد وقد بين النبي r هذا المعنى بقوله : «   السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ - كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ .  » ([2])  « إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ » ([3])
فالحديثان صريحان في أن العبادة الخلقية هي الكفيلة باستيعاب المفهوم الواسع لعبادة الإنسان لخالقه ، فالإنسان بخلقته وفطرته لا يستطيع أن يستوعب  جميع حياته صوماً أو صلاة ، لكن يملك أن ينال أجر الصائم القائم إذا ارتقى في سلم القيم والأخلاق ، وهو بهذا الصنف من العبادة يمتلك أن يحول حياته كلها إلى عبادة لله سبحانه وتعالى .


([1]) الذاريات : الآية 56  
([2])أخرجه البخاري برقم  6007 ( 8/9)  
([3])أخرجه أبو داود ، قال الألباني صحيح ، حديث رقم 4798( سنن أبي داود ( 4/252) ]  

كيف تعامل النبي عليه السلام مع مسائل القيم والأخلاق


رسالة محمد r تتعامل بحساسية شديدة مع الأخلاق لعظمها وعلو منزلتها وخطورة تغييبها.
وهذا واضح في عظمة العقوبة على الفساد الخلقي وإن قل في نظر البعض ، من ذلك قول النبي r : « لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » ([1])  فالحديث صريح أن ذرة من الكبر كفيلة بحرمان صاحبها من الجنة ، وهذا يبرز مدى حساسية الرسالة مع أي تدهور خلقي ، من ذلك قوله r :  «  دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ  . » ([2])  فالبغضاء لوحدها كفيلة بحرمان الإنسان من دينه وتدينه أو بركة تدينه ، وهكذا نجد هذه الحساسية مع كثير من الأخلاقيات لدرجة أن  تمثل خلق سيئ  واحد كفيل بحرمان صاحبه من خير عظيم .
ولم تقتصر هذه الحساسية مع الرذائل والأخلاق الفاسدة ، بل الأخلاق الفاضلة يثيب الله على القليل منها ما لا يثيب على غيره ، من ذلك قول النبي r : « بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِه » ([3]) « بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه » ([4]) فهذان موقفان بسيطان كانا موجبا للجنة لصاحبيهما ، وذلك لما تضمنه موقفيهما من معاني أخلاقية سامية ، بل رحمة المرأة البغي بحيوان كانت سبباً في تجاوز الله I عن معصيتها العظيمة ورحمتها .
وهذه الشواهد على مستوى العقوبة والإثابة تبرز بوضوح عظيم منزلة الأخلاق في رسالة محمد r ؛ بحيث تجازي على القليل منها ، ما لا تجازيه في غيرها .


([1]) أخرجه الترمذي برقم 1999 وقال : حسن صحيح ( 4/361)
([2]) أخرجه الترمذي برقم 2510 ( 4/644) ؛ قال الهيثمي : رواه البزار ، وإسناده جيد [ مجمع الزوائد ( 8/64) ]
([3])  أخرجه البخاري برقم 3467 ( 4/173)
([4])  أخرجه البخاري برقم 652 ( 1/132) 

من يحب الرسول محمد عليه السلام فليحسن أخلاقه


 تعتبر الأخلاق والقيم في ميزان الشرع من أعظم الأعمال التي تستحق المنافسة عليها ، بل هي سلم الوصول إلى الله I والفوز بأعلى الدرجات في جنته وإقرار العين بالقرب من النبي r ومجالسته فيها ،  
يقول الرسول r  : «   إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ  . قَالُوا  : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟  قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ . » ([1])   «   مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ . »  ([2])   «  أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا  ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَـطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَـرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَـانَ مَازِحًا ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ »  ([3])


([1]) أخرجه الترمذي برقم   2018 ، وقال : حديث حسن غريب   ( 4/370)  
([2]) أخرجه الترمذي برقم 2002 ، وقال : حسن صحيح    ( 4/362)   
([3]) أخرجه أبو داود 4802 [ السنن ( 4/ 400) ]  ؛ قال الهيثمي : رواه الطبراني في الثلاثة ، وإسناده حسن [ مجمع الزوائد ( 1/389) ] 

محمد عليه السلام ورعاية القيم ( نظرة سريعة في المقصد)


مقصد بعثة النبي r هو رعاية القيم والأخلاق .
بين الرسول الأعظم أن  المقصد الأسمى لرسالته هو نشر الفضيلة وتتميم مكارم الأخلاق : «  إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ – في رواية صَالِحَ  - مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ »  ([1]) ؛ وقد أكد القرآن الكريم على ذلك بقوله : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ ، وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  »  ([2]) .
فهذا هو الهدف الرئيس لبعثة محمد r ، وهو الذي يفسر لنا ذلك الحجم الهائل من التوجيهات والوسائل والأساليب الداعية في جهد النبي r للتزكية الخلقية والترقية في سلم الفضيلة ، ومن تتبع هدي النبي r  يجد أنه قد أشبع التفصيل والاستقصاء في الأمر بالفضيلة وإن صغرت  أو النهي عن الرذيلة وإن قل خطرها  .


([1]) أخرجه مالك برقم 1609 [ الموطأ ( 2/904) ] ؛  والحاكم برقم 4221 ، وقال صحيح على شرط مسلم [ المستدرك ( 2/760) ] قال الهيثمي : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح [ مجمع الزوائد ( 9/15) ] 
([2]) الجمعة : الآية 2 

رسالة الإسلام هي رسالة قيم


الإسلام رسالة قيم .    
يرشد إلى ذلك قوله  I :  « قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  »  ([1])  فالآية تشير إلى أن الصراط المستقيم الذي هُدي إليه النبي محمد r هو الدين القيم ، وقِيَم هنا لها مدلولان في التفسير  : الأول من القيومية بمعنى أن الإسلام هو الدين المقوم لأمر المعاش والمعاد ، والمدبر للإنسان المصلح لجميع أمره  ([2])  ومقتضى هذا المعنى أنه لن تقوم للإنسان قائمة في الأرض تليق بإنسانيته إلا إذا استقام على هذا الدين .
أما  المعنى الثاني فهو من القيمية ؛ أي أنه دين ذو قيم  ([3]) ، ومقتضى هذا المعنى أن أهم ما يميز رسالة الإسلام أنها رسالة قيم وأخلاق ، ؛ أي لا يتصور إسلام بدون قيم ، ولا يمكن النظر للقيم الإنسانية مجتمعة إلا من خلال هذا الدين .
 ومقتضى المعنى الثاني أن رعاية  القيم والأخلاق هو من أعظم أهداف رسالة محمد r ، ومن نظر للقرآن الكريم يجد ألف وخمسمائة وأربع آيات تتصل بالأخلاق سواء في جانبها النظري أو في جانبها العملي ، وهذا المقدار يمثل ما يقرب ربع عدد آيات القرآن الكريم  ([4]) مما يشير صراحة إلى سعة مساحة القيم في رسالة محمد r ، يقول ابن القيم :  « الدين كله خلق ، فمن زاد عليك في الخـلق ، زاد عليك في الدين . » ([5])


([1]) الأنعام : الآية  161
([2])ابن عاشور : التحرير والتنوير (8/199) 
([3]) انظر الرازي : مفاتيح الغيب ( 14/190 )
([4])  الشيباني : فلسفة التربية الإسلامية ( 222)
([5])  ابن القيم : مدارج السالكين ( 2/320)